الثلاثاء 24 مارس 2026 - 9:20 PM بتوقيت عدن

المُلهمة ورائدة الأعمال.. "أنيسة مثنى" من بنت المصنع إلى سيدة مَصْنَعين "3"

2025/12/16
المُلهمة ورائدة الأعمال.. "أنيسة مثنى" من بنت المصنع إلى سيدة مَصْنَعين "3"

شقائق/ أمريكا/ د. علي الخلاقي


في عام 1993جاءت اللحظة الحاسمة والهامة في مسار حياة أنيسة عندما عرض عليها خالها، قاسم يوسف صالح، الذي تربّت بين يديه وعملت معه في ورشة والدها، أن تشاركه في فتح مصنع جديد. اشترطت أنيسة شرطًا واحدًا جريئًا:أن تدير هي المصنع إدارة كاملة بيدها من الألف إلى الياء، دون تدخّل أحد.
لم يكن شرطًا عاديًا؛ كان إعلانًا واضحًا أنها قادرة، وواثقة، ومستعدة لحمل المسؤولية.
ولأن خالها كان يعرف قدرتها وأمانتها وإتقانها، وافق فورًا. ومن تلك اللحظة بدأت مرحلة أنيسة كـصاحبة قرار، وقائدة منشأة، وامرأة تتحمل مسؤولية كاملة عن كل شيء، وأصبح امتلاك المصنع نقطة انطلاق جديدة في حياتها، وانتقلت رسميًا من عباءة مصنع والدها إلى مشروعٍ مستقل أثبت وجودها المهني. ومن هنا بدأت المرحلة الحاسمة في صعودها المهني، وانتقلت رسميًا من "بنت المصنع" إلى سيدة المصنع،  وهنا في مصنع " "Pioneer service incبدأ فصل جديد في قصتها كرائدة أعمال مستقلة، ووظّفت فيه خبرتها التي لا يستطيع أحد انتزاعها منها. وفي ورشتها مع خالها قاسم يوسف تعلمت أكثر، وبذلت جهودًا مضاعفة، وأرضت والدتها التي كانت صديقتها ومرشدتها الأقرب.

لم تكن أنيسة مديرة مكتب فقط، ولا مشرفة عن بُعد. بل كانت في قلب المصنع بين هدير الماكينات، وغبار الحديد، وصوت الطرق والقطع، وكأنها ابنة هذه الآلات. تعرف تفاصيلها، أسرارها، أعطالها، أساليب تشغيلها، وكيفية تطوير إنتاجها.
وعندما بدأت في تشغيل مصنعها الجديد، تفوّقت في كل ما ظنّ البعض أن المرأة لا تحسنه:
صيانة الآلات، وضبط الجودة، وإدارة العمال، والتواصل مع كبرى الشركات، والتفاوض على العقود، والالتزام بالتسليم والإنتاج وحل أعقد المشكلات الميدانية التي تتطلب خبرة عملية، لا شهادات جامعية فقط، حتى أصبحت شركتها تقدّم خدمات دقيقة تتطلب أعلى درجات الالتزام الفني، حيث تقوم بتقطيع الحديد وإنتاج مواد سبيكة والمنيوم ونحاس أصفر وفولاذ كربوني وفولاذ مقاوم للصدأ، وتستخدم هذه القطع في صناعة الطائرات والسيارات والماكينات والاجهزة المتنوعة الأخرى. 
كان خالها يقول لها بفخرٍ حقيقي:
«لو كان عندي عشرة أولاد… ما كانوا اشتغلوا مثل ما اشتغلتي لي يا أنيسة.»
جملة تختصر مكانتها، وتُلغي كل المفاهيم التقليدية التي شكّكت يومًا بقدرة الفتاة على الدخول في عالم صناعة الصلب والحديد.
امرأة صنعت الإضافة… لا المنافسة
لم تكن طريق النجاح التي سلكتها أنيسة مفروشة بالورود؛ فقد واجهت مع خالها تحديات كبيرة في إدارة مصنعهما بالولايات المتحدة. فقد تزامن ذلك مع تحوّل السوق العالمي عام 2012، حيث انتقلت الكثير من الأعمال إلى الصين والهند، ما تسبب بخسارة نسبة كبيرة من الطلبات.
لكن أنيسة لم تكن من الذين يستسلمون. فبدلاً من التراجع، قررت مواجهة الأزمة بالشجاعة ذاتها التي ميّزت مسيرتها، وأعادت مع شركائها تحديث خطوط الإنتاج وتجديد المكائن، والبحث عن أسواق جديدة، بل والقبول بطلبات أكثر صعوبة وتعقيداً من السابق، لأن "العمل السهل" كما تقول، ذهب إلى الأسواق الأرخص في العالم.
استثمرت أنيسة أكثر من 6 مليون دولار في تطوير المصنع والارتقاء بمستوى التكنولوجيا المستخدمة فيه. وبفضل رؤيتها وجرأتها، انتقل المصنع من مرحلة الركود إلى مرحلة ازدهار متقدمة، واستخدم أنظمة تشغيل حديثة، وروبوتات، وبرمجيات متطورة، ليصبح مصنعاً رائداً قادراً على تصنيع منتجات عالية الدقة. وهكذا تمكنت من مواكبة التطور الصناعي والتكنولوجي، وانتقلت من استخدام مكائن يدوية تقليدية إلى آلات تعمل بالبرمجة وأنظمة الكمبيوتر والروبوت، ووصلت بعزيمتها إلى العالمية في ميدان الصناعة المتقدمة. وتوضح أنيسة:
"عقدت العزم على الاستثمار، وقررت ألا أسمح للجمود أن يوقفنا. استخدمنا أحدث الماكينات، ونجحنا في توظيف مندوبين محترفين استطاعوا جلب عقود كبرى، لشركات عالمية مثل تسلا، وشركات الفضاء والطيران، بما فيها وكالة ناسا".
ورغم استقلالها في شركتها، لم تكن أنيسة يومًا منافسة لوالدها أو لأشقائها؛ بل كانت امتدادًا لنجاح العائلة. صنعت شركتها، ورفعت اسم أسرتها، وظل التعاون قائمًا بين مصنعها ومصنع والدها في علاقة مليئة بالبر والوفاء والاعتراف بالفضل. وهذا بحد ذاته برهان على أن نجاحها لم يكن تمرّدًا، بل تطويرًا وتوسيعًا لإرث الأسرة.
ولعل من الصدف التي لم تكن تتوقعها أنيسة، هي أن تتحمل أيضاً قبل بضع سنوات إدارة شركة والدها التي بدأت فيها في سن الحادية عشرة في تنظيف المكائن والطاولات، ومن المعروف أن والدتها قد انفصلت عن والدها بعد زواجه الثاني في اليمن، لكن بقيت شراكتهما قائمة في شركة M&M Quality Bar Grinding حتى تم فض الشراكة بينهما بالتراضي، حيث عرض الأب على زوجته الأولى، أم أنيسة مع ولديها خيارين: إما أن يشتروا حصّته، أو يبيعها لهم. واتفقوا أخيراً على تسويةٍ عادلة بلغت ثمانية ملايين دولار أنهت الخصومة بالتراضي، وأغلقت ملف الخلافات بسلام. 
وبطلب من والدتها واخوانها  آلت إدارة الشركة إلى أنيسة، التي تدير الآن الشركتين باقتدار، وهو ما لم يكن يدور في خلدها، بل أن محاسن الصدف أن الشركين لصيقتين ببعضهما، وتنتقل أنيسة بينهما من بوابة داخلية.
وهكذا، فإن المسار الطويل الذي بدأته أنيسة مثنى منذ طفولتها في المجتمع الأمريكي، حيث عرفت معنى الكفاح المبكر والعمل الجاد في ورشة والدها، لم يكن مجرد رحلة بحث عن لقمة العيش، بل كان تأسيسًا حقيقيًا لشخصية ريادية صلبة أدركت مبكرًا أن النجاح لا يُمنح بل يُنتزع بالصبر والإصرار. هذا الأساس المتين هو الذي أهلها لاحقًا لتصبح واحدة من أشهر رائدات الأعمال العربيات والمسلمات في الولايات المتحدة، وشخصية تحظى بالاحترام والتقدير من القطاعات الصناعية والتجارية التي تعمل فيها.
لم تسعَ أنيسة مثنى يومًا وراء الجوائز أو التكريمات، لكنها جاءت إليها طواعية، شاهدةً على ما بذلته من جهد وما قدمته من نموذج مُلهم للمرأة العاملة. فقد حصلت على عدة جوائز مرموقة، منها:
جائزة Business Awards لعام 2019، وجائزة Woman Business لعام 2017. كما نالت إشادة من الرئيس الأمريكي جو بايدن — قبل تولّيه الرئاسة — حين تحدّث عن دور المسلمين وجهودهم في خدمة المجتمع، وذكر مصنع “بيونير” الذي تديره أنيسه، مشيراً إلى إنتاجه قطعاً حديدية استخدمت في المستشفيات أثناء مكافحة فيروس كوفيد-19، وهو ما تعتبره أنيسة وسام تقدير لعملها وعمل فريقها.
ورغم فخرها بهذه الجوائز، فإنها تدرك تمامًا—كما تقول—أنها لا تدفع فواتير الكهرباء ولا تُحمّس العمال، لكنها تحمل قيمة معنوية كبرى لأنها تروّج لمنتجات مصانعها وتفتح الأبواب أمام أسواق جديدة وزبائن جدد. وهي ترى أن من يستلم الجائزة يتحمل مسؤوليات إضافية، وأن عليه أن يتحلّى بالتواضع وألا يقع في فخ الغرور.
وتعتبر أنيسة أن هذه الجوائز ليست ثمرة عملها لوحدها، بل نتيجة جهد جماعي شارك فيه جميع العمال والمهندسين الذين بذلوا وقتهم وعرقهم في سبيل نجاح المؤسسة. ولذلك فهي تعدّها جوائز للجميع، وليست لها وحدها، فهي واحدة منهم قبل أن تكون قائِدة لهم.
لكنها تنظر لما وصلت إليه بفخر، حتى أن الجامعات الأمريكية أصبحت تدعوها لإلقاء محاضرات في الإدارة والبزنس، وتحولت قصتها إلى نموذج يُحتذى به في المثابرة والاجتهاد.
ومع ازدياد شهرتها واتساع دائرة معارفها والدعوات المتكررة التي تتلقاها لحضور فعاليات وجلسات أعمال وعشاء، فإنها تعتذر عن كثير منها لأن وقتها مكرّس للعمل. معظم ساعات يومها تقضيها في الورشة، حيث وُلدت أحلامها الأولى، وحيث تشعر بقيمتها الحقيقية. 
أنيسة مثنى نموذج للمرأة المسلمة المحافظة التي لم تتخلّ عن مبادئها وهويتها الإسلامية، فارتدت الحجاب بثبات ولم تعبأ بأي نظرة سخرية أو دونية ولا ترد على أي استهزاء إلا بالصمت والإنجاز. وأثبتت عمليًا أن الحجاب ليس عائقًا أمام طموح المرأة أو قدرتها على قيادة كبرى الشركات، وكانت دائمًا ترد على أي انتقاص بالصمت، تاركةً إنجازاتها تتحدث نيابة عنها.
وتستذكر أنيسة دائمًا دعم والدتها ووالدها وإخوتها وخالها، وتفتخر بأنها امرأة مسلمة عربية يافعية لا ترى نفسها أفضل من غيرها، لكنها تؤمن بأن الالتزام الديني يجلب التوفيق—وهو ما لمسته في حياتها الشخصية والعملية، حتى خلال أزمة كورونا. 
وبهذا، تقف أنيسة مثنى اليوم رمزًا لرحلة استثنائية بدأت بخطوات متعثرة في طفولتها بين أدوات الورشة، وانتهت إلى إدارة شركتين في آن واحد ومكانة مرموقة بين رائدات الأعمال في المجتمع الأمريكي، ونموذجًا للصبر والإرادة والإيمان والعمل المسؤول الذي يصنع الفارق. وبفضل جهدها، قادت أنيسة مصنعًا يُعد من أبرز مصانع الصلب في الولايات المتحدة. وبروحها العملية انتقلت من عاملة بسيطة إلى رائدة أعمال تُعرف في المحافل الصناعية.

يتبع ...

مشاركة الخبر