لاشك أن الأسرة تعتبر المؤثر الأول في حياة الطفل، فمنها يتعلم اللغة ويتشرب القيم الثقافية والاجتماعية. وعندما يصبح الطفل في المراحل الأولى من الاعتماد على الذات، بعد تمكنه من المشي والتواصل اللغوي مع دائرة أوسع من الأسرة، يبدأ باكتساب عادات سلوكية جديدة قد تكون دخيلة على الأسرة، ويبدأ بتقليد الألفاظ والكلمات التي يرددها الآخرون بشكل أعمى حتى دون وعي بمعانيها. وتشكل الألفاظ النابية أحد مكتسبات الطفل من بيئته المحيطة، لكنها من الأمور السلبية المؤرقة للأسرة التي بدورها تستهجن هذه الألفاظ وتحاول تخليصه منها.
وتُعد القدوة السيئة في الأسرة، والمخالطة الفاسدة في الشارع أو المدرسة، ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، أبرز مصادر اكتساب هذه الألفاظ لدى الطفل. وقد بينت إحدى الدراسات ألأوروبية أن 80% من الأطفال في سن المدرسة يتعرضون للألفاظ السيئة من زملائهم، كالسخرية بشكل مباشر والإهانات الكلامية، أو التهديد بالضرب.
وليس أحرج على الأبوين وأحزن على قلبيهما من أن يتلفظ ابنهما بألفاظ بذيئة أمامهما أو أمام الغرباء، فيشعران بالحرج وتكون ردة فعلهما الغضب، ولكن ماذا بمقدور الوالدين العمل في هذه الحالة؟
في البدء، لابد من معرفة الأسباب الكامنة وراء هذا السلوك، حيث إن معرفة السبب يمثل نصف العلاج. فإن كان من الأسرة، فعلى الوالدين أن يكونا قدوة حسنة، فالأسرة هي المؤثر الأول. أما إذا كان مصدر الكلام البذيء هو أحد الأقران، ولأول مرة، فيعزل الطفل عنه فترة مؤقتة، وفي نفس الوقت يغذى الطفل بالكلام الطيب كبديل عن هذه الألفاظ، ويحذر من الكلام السيئ حتى يتركه، وإذا عاد للاختلاط فإنه يكون موجهًا ومرشدًا للطفل الآخر. أما إذا كانت الكلمات البذيئة قد تأصَّلت عند الطفل، فيستخدم معه أساليب الثواب والعقاب.
إحلال السلوك القويم محل السلوك المرفوض:
ويكون ذلك بالبحث عن مصدر وجود الألفاظ البذيئة في قاموس الطفل، إذ إن الطفل جهاز محاكاة للبيئة المحيطة، فهذه الألفاظ التي يقذفها هي محاكاة لما قد سمعه من بيئته المحيطة (لأسرة - الجيران ـ الأقران ـ الحضانة).
يجب الإدراك بأن طبيعة تغيير أي سلوك تأتي تدريجياً، فلا نتوقع أن يتخلص الطفل من هذه الألفاظ بسرعة، لكن المهم التدخل بشكل سريع عند ظهور هذا السلوك قبل تفاقمه، إضافة إلى التحلي بالصبر والهدوء في علاج الأمر.
ولحل مشكلة الألفاظ النابية لدى الأطفال، لابد أن نتعرف على أسبابها، حيث تتعدد المصادر التي يستقي منها الطفل مفرداته وكلماته، ومن أهم هذه المصادر: الأهل، المحيط الاجتماعي، الحضانة والمدرسة، الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، فكثيراً ما يتعلم الطفل كلمات بذيئة من هذه المصادر المختلفة، حتى أن الطفل في بعض الأحيان ياتي بكلمات وألفاظ بذيئة لا يعرف هو معناها ويجهل دلالتها.
هناك عدة أسباب تدفع الطفل إلى التلفظ بهذه الكلمات البذيئة، أو لتعلم السبّ والشتم والتعود عليه، ومعرفة الأسباب تساعد كثيراً في حل هذه المشكلة لدى الأطفال. ويمكن تلخيص هذه الأسباب في الآتي:
• التقليد: وهنا يكرر الطفل ما سمعه لمجرد التقليد، وخاصة إذا كانت هذه الألفاظ مستخدمة لدى أفراد الأسرة، بمعنى وجود القدوة السيئة في الأسرة، أو لرغبة الطفل في إثارة الاهتمام ولفت الانتباه بهذه الألفاظ، وهي حيلة يقوم بها بعض الأطفال لأنهم بمجرد سماع أحد لتلك الكلمات تتغير معالمهم وينظرون للطفل.
• وقد يستخدم الطفل هذه الألفاظ لإرضاء أقرانه، أي أنه يحاول أن يكون مثل أصدقائه في المدرسة أو الحضانة حتى في كلامهم، ليكون واحداً منهم ويرضون عنه ليكون عضواً في جماعتهم، ويسعى لذلك معظم الأطفال قليلي أو عديمي الثقة بأنفسهم. وأحياناً يستخدم الطفل هذه الألفاظ تنفيساً عن غضبه ولإظهار أنه قد كبر ويستطيع التلفظ مثل الكبار، وللتوضيح للآخرين بأنه أصبح قادراً على الكلام والرد على الآخرين حتى بصوت عالٍ. ورغبة من الطفل في الاستقلال بذاته والاختلاف عن الآخرين، تجده يأتي بألفاظ جديدة إلى البيت أو إلى المدرسة.
• وفي بعض الأحيان يستخدم الطفل الشتم على سبيل المرح ولجلب اهتمام الآخرين وليس للعداء معهم، كأن يكون لفظ الشتم جميلاً وله نغمة. وقد لا تهتم الأسرة بما قد يجري على لسان الطفل، بل وأحياناً تقوم بتشجيعه أو الضحك من كلامه، فيستمر على هذا الكلام حتى ينال استحسان الكبار ورضاهم.
• وكثيراً ما يفتقر الطفل إلى المفردات التي تعبر عن مدى غضبه، فيلجأ إلى التلفظ بتلك الألفاظ البذيئة لافتقاره إلى الألفاظ المهذبة التي تعبر عن حالة غضبه.
الخطوات الواجب اتخاذها في حال تلفظ الطفل بتلك الألفاظ:
1ـ يجب أن يكون رد الفعل الأول عدم الضحك مهما كان اللفظ أو الموقف مضحكًا، فالضحك يدفعه إلى التكرار.
2ـ قد يكون التجاهل والتغافل في البدء خير علاج، خصوصًا للأطفال من (2 - 4) سنوات. وبعض الأطفال يتلفظون بهذه الألفاظ لأنهم يرون أن ذلك لا يعجبك، وأنه يؤلمك أن يتلفظ بها، فعدم الاهتمام والانفعال يؤثر على الطفل الصغير أكثر من غضب الوالدين الشديد. إذ قد يكون الطفل يحب استثارة الوالدين ولفت نظريهما، فيفرح بذلك ويصر على هذه الكلمات.
3ـ معرفة سبب الألفاظ، فإن كان من الأسرة فعلى الوالدين أن يكونا قدوة حسنة فهما المؤثر الأول للطفل، فيبتعد حينها عن الألفاظ البذيئة أيًا كانت. ولذلك، نرى أن كثيرًا من الأسر تبتعد عن اللعن فيبتعد أطفالها عنه، لكنها تتلفظ بالكلمات البذيئة فيتلفظ الأطفال بها. فالأسرة هي المؤثر الأول لأطفالها، فإن ابتعدت عن ألفاظ السباب ابتعد عنها أطفالها.
4ـ إذا كان مصدر الكلام البذيء هو أحد الأقران، ولأول مرة، فيعزل عنه فترة مؤقتة، وفي نفس الوقت يغذى الطفل بالكلام الطيب، ويحذر من الكلام السيئ, حتى يتركه، وإذا عاد للاختلاط فإنه يكون موجهًا ومرشدًا للطفل الآخر.
أما إذا كانت الكلمات البذيئة قد تأصَّلت عند الطفل فيستخدم معه أساليب الثواب والعقاب إذا كان الطفل في عمر 4 سنوات فما فوق.
5ـ تعليم الطفل آداب الإسلام واختيار الألفاظ السليمة. فعندما يبدأ الطفل التلفظ بكلمات نابية محرجة، ينشأ لدى الوالدين شعور بالأسف والألم تجاه سلوك طلفهما غير الواعي بما يخرج من فمه من ألفاظ مزعجة، ولا ينبغي تجاهلها.
إن الألفاظ اللغوية لدى الطفل يكتسبها فقط من خلال محاولته تقليد الغير. لذلك، كان لزاماً على الوالدين معرفة أفراد الأسرة الذين يحتك بهم الطفل باستمرار، ومراقبة البرامج الإعلامية التي يستمع إليها ويتابعها. والأهم من ذلك، معرفة اللغة المستعملة من طرف الوالدين تجاه أطفالهما وفيما بينهما.
الوقاية من المشكلة:
1ـ عامل الطفل كما تحب أن تُعامل، وخاطبه باللغة التي تحب أن تُخاطب بها.
2ـ استعمل اللغة التي ترغب أن يستعملها أبناؤك.
من هنا البداية، وهكذا يتعلم الطفل. قل "شكراً" و"من فضلك" و"لو سمحت" و"أتسمح؟" و"أعتذر"، ليتعلمها طفلك منك. مهم أن تقولها والأهم كيف تقولها؟ قلها وأنت مبتسم بكل هدوء، وبصوت منسجم مع دلالات الكلمة.
3ـ تأكد أن اللفظ الخارج من فم طفلك فعلاً غير لائق، حتى لا تنجم عن ردة فعلك سلوكيات شاذة وألفاظ أشد. تأكد فعلاً أن اللفظ غير لائق وليس مجرد طريقة التلفظ هي المرفوضة.
فمثلاً، لو نطق الطفل كلاماً وهو يصيح، أو يبكي، أو يعبر عن رفضه ومعارضته، كقوله: "لا أريد"، "لماذا تمنعونني؟"، "لماذا أنا بالذات؟"، فهذه كلها كلمات تعبر عن "رأي" وليست تلفظًا غير لائق. فعملية التقويم تحتاج إلى تحديد هدف التغيير وتوضيحه للطفل، هل هو اللفظ أو الأسلوب؟
4ـ راقب اللغة المتداولة في محيط الطفل الواسع.
كيف تعالج المشكلة؟
1- لا تهتم بشكل مثير بهذه الألفاظ. حاول قدر المستطاع عدم تضخيم الأمر، ولا تعطه اهتمامًا أكثر من اللازم. تظاهر بعدم المبالاة حتى لا تعطي للكلمة سلطة وأهمية وسلاحًا يشهره الطفل متى أراد، سواء بنية اللعب والمرح أو بنية الرد على سلوك أبوي لا يعجبه، وبهذا تنسحب من ساحة اللعب بالألفاظ. فاللعب بمفرده ليس ممتعًا إذا لم يجد من يشاركه.
2- مدح الكلام الجميل. علم طفلك نوع الكلام الذي تحبه وتقدره ويعجبك سماعه على لسانه. أبدِ إعجابك به كلما سمعته منه، وعبر عن ذلك الإعجاب بمثل "يعجبني كلامك هذا الهادئ"، "هذا جميل منك"، "كلام من ذهب"، وما شابه ذلك.
3- علمه فن الكلام. علمه مهارات الحديث وفن الكلام، من خلال الأمثلة والتدريب. وعلمه الأسلوب اللائق في الرد، فمثلاً: "لا يهمني" يُعد تعبيراً مقبولاً لو قيل بهدوء واحترام للسامع، ويصبح غير لائق لو قيل بسخرية واستهزاء بالمستمع.
4- حوّل اللفظ بتعديل بسيط. لو تدخلت بعنف لجعلت طفلك يتمسك باللفظ ويكتشف سلاحًا ضدك أو نقطة ضعف لديك، ولكن حاول بكل هدوء التلاعب بالألفاظ بإضافة حرف أو حذفه أو تغيير حرف، أو تصحيح اللفظ لدى الطفل موهمًا إياه بأنه أخطأ. فلو كانت مثلاً كلمة "قل عب" غير لائقة، قل له: لا، وإنما تُنطق "ملعب"، وهكذا.