بازار الأسر المنتجة يلعب دوراً هاماً في دعم الاقتصاد المحلي وتعزيز التراث الثقافي، فما بالك الخاص بالأسر المنتجة التي هي بحاجة إلى الاهتمام لكفاحها لكسب لقمة العيش، خاصة وأننا نعيش وضعاً معيشياً صعباً بسبب سوء الخدمات والاقتصاد المتدهور، بالإضافة إلى المعاناة الأكبر المتمثلة في عدم انتظام صرف الرواتب التي لا تصرف إلا بعد عناء طويل من الانتظار. فتبدأ هذه الأسر المنتجة من هنا بالتفكير وصناعة منتوجاتها بأيديها لكسب المال حتى تستطيع توفير قوت أفراد الأسرة.
وهنا جاءت فكرة الترويج والبيع عبر بازار، والذي يعتبر عاملاً مساعداً ومساهماً في تنمية المجتمع، من خلال فرص عمل وتحسين مستويات المعيشة للأسر المنتجة، وأيضاً يغرس في داخلهم روح التفاؤل والإصرار لمواصلة عمل المنتوجات اليدوية والتقليدية وعرضها للآخرين.
منتجات تحمل حكايات صادقة:
قالت الأستاذة منى حداد، مديرة مكتب مدير عام مكتب الثقافة بالعاصمة عدن: بازار الأسر المنتجة حكايات كفاح وصناعة أمل. وعندما أتحدث عن بازار الأسر المنتجة لا أتحدث عن فعالية عابرة أو نشاط موسمي، بل عن مشروع حياة يحمل في تفاصيله قصصًا جميلة لنساء جنوبيات قررن مواجهة الظروف بالعمل والإبداع، وصنع الأمل بأيديهن.
ما يميز هذا البازار، بالنسبة لي، هو أنه يجسد روح الاعتماد على الذات، ويمنح المرأة فرصة لإظهار ما تملكه من مهارات وقدرات كانت حبيسة جدران المنازل. هنا، تتفتح الطاقات وتتحول الأفكار البسيطة إلى منتجات تضيف قيمة، وتساعد الأسرة على تلبية احتياجاتها اليومية بكرامة وجهد ذاتي.
كل مرة أزور فيها بازاراً من هذا النوع، أشعر بالفخر وأنا أشاهد نساء يقفن خلف طاولات عرض بسيطة، لكن مملوءة بالحب والإصرار. منتجاتهن لا تحمل فقط نكهات وألواناً جميلة، بل تحمل حكايات تعب وصبر وأمل، ورغبة صادقة في تحقيق الاكتفاء الذاتي، والمساهمة في تحسين الوضع المعيشي للأسرة.
الأسر المنتجة - برأيي - أصبحت اليوم ركيزة مهمة في الاقتصاد المحلي، وداعماً حقيقياً لمفهوم التمكين الاقتصادي للمرأة. فهي لا توفر مصدر دخل فحسب، بل تبني الثقة بالنفس، وتعزز الانتماء المجتمعي، وتفتح آفاقاً جديدة أمام النساء نحو تطوير مشاريعهن الصغيرة إلى أعمال أكثر استدامة.
ما نحتاجه هو المزيد من الدعم الرسمي والمجتمعي لهذه الأسر، من خلال إقامة بازارات دائمة، وتوفير مساحات تسويقية مخصصة لعرض منتجاتهن بشكل مستمر، لأن هذه الفعاليات ليست مجرد بيع وشراء، بل منصة لتبادل الخبرات وتشجيع النساء على المضي قدماً في طريق الإنتاج والعطاء.
إن المرأة العدنية والجنوبية عموماً تثبت دائماً قدرتها على الصمود والإبداع، وبازارات الأسر المنتجة ليست سوى شاهد جديد على روحها التي لا تنكسر، وإرادتها التي تصنع المستحيل.
خطوة نحو تمكين المرأة:
من جانبها، قالت الدكتورة ياسمين باغريب: شهدت مدينة عدن مؤخرًا إقامة بازار الأسر المنتجة في "عدن مول"، بجهود مباركة من نادي رجال الأعمال، في فعالية جسدت روح التعاون والتكافل المجتمعي، وفتحت آفاقًا جديدة أمام المرأة الجنوبية للإسهام الفاعل في تحسين الوضع المعيشي لأسرتها، والاعتماد على ذاتها كمصدر إنتاج وعطاء.
يأتي تنظيم هذا البازار في إطار المبادرات الرامية إلى تمكين الأسر محدودة الدخل، وإتاحة الفرصة لها لتسويق منتجاتها اليدوية والغذائية والحرفية، بما يعزز من قدراتها الاقتصادية ويشجعها على مواصلة العمل والإبداع. وقد ضمّ البازار عشرات المشاركات من النساء اللواتي قدّمن نماذج متميزة في صناعة الأطعمة الشعبية، والمشغولات اليدوية، والعطور، والمخبوزات، والأزياء التراثية، ما أضفى على الفعالية طابعًا تراثيًا وثقافيًا عكس هوية المجتمع العدني وأصالته.
يمثل هذا البازار منصة حقيقية للتمكين الاقتصادي، فهو لا يقتصر على عملية البيع والشراء فحسب، بل يشكّل مدرسة عملية للتدريب والتطوير، حيث تتعلم المشاركات أسس التسويق والتعامل مع الجمهور، وتنمية مهارات العرض والإبداع في تقديم المنتج، مما يسهم في نقل المرأة من دائرة الاستهلاك إلى دائرة الإنتاج والاكتفاء الذاتي.
ويُعد دعم نادي رجال الأعمال لهذه الفعالية نموذجًا يُحتذى به في المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص، إذ يعكس إيمان رجال الأعمال بأهمية الاستثمار في الإنسان، وبأن النهوض بالمجتمع يبدأ من دعم الأسر المنتجة والمرأة العاملة. كما يسهم هذا الدعم في تعزيز التكامل بين القطاعين، العام والخاص، في بناء اقتصاد محلي مستدام يعتمد على المبادرات الذاتية والمشروعات الصغيرة.
إن نجاح بازار الأسر المنتجة في "عدن مول" يعكس الوعي المتزايد لدى المجتمع الجنوبي، بأهمية العمل الشريف والاعتماد على النفس، ويؤكد أن المرأة الجنوبية قادرة على مواجهة التحديات وتحويل الإبداع إلى مصدر رزق كريم. ومع استمرار مثل هذه المبادرات، يمكن القول إننا أمام بداية حقيقية لاقتصاد أسري منتج يسهم في الحد من البطالة، ورفع مستوى المعيشة، وتعزيز قيم العمل والعطاء.
قصص حية تنبض بالكرامة:
وتحدثت الأستاذة جليلة علي قاسم، مديرة إدارة المرأة والطفل، ورئيسة جمعية المرأة المنتجة بمحافظة الضالع، قائلة: حين أتجول في أروقة بازار الأسر المنتجة، لا أرى مجرد طاولات تملؤها المنتجات اليدوية أو الأطعمة المنزلية، بل أرى قصصًا حيّة تنبض بالإصرار والكرامة والعمل الشريف. أرى نساءً قررن أن يكنّ جزءًا من الحل لا من المشكلة. نساء حملن مسؤولية أسرهن على أكتافهن، وبدأن من الصفر، ليصنعن من أبسط الموارد مصدر رزق كريم.
بازار الأسر المنتجة في عاصمتنا الحبيبة عدن، ليس مجرد فعالية موسمية أو تجمع تجاري، بل هو مساحة للتمكين، ولإعادة تعريف دور المرأة في المجتمع. من خلاله، تخرج المرأة من دائرة الاعتماد إلى دائرة الإنتاج، وتتحول من متلقية للدعم إلى مساهمة في الاقتصاد المحلي، بل وفي بناء مجتمع أكثر تماسكًا واستقلالًا.
ما يميز هذه البازارات أنها لا تقتصر على بيع المنتجات، بل تخلق شبكة دعم اجتماعي، وتفتح أبوابًا للتدريب، والتسويق، والتطوير. المرأة التي كانت تخبز في مطبخها لأطفالها أصبحت اليوم تبيع منتجاتها لزبائن من مختلف المناطق، وتتعلم كيف تسعر، وتعرض، وتسوّق، وتطوّر من جودة ما تقدمه.
لقد رأيت كيف أن هذه المبادرات ساهمت في تحسين دخل الأسر، وتوفير احتياجاتها الأساسية، بل وأحيانًا تعليم الأبناء، وسداد الديون، وتحقيق الاستقرار. والأجمل من ذلك، أن المرأة تشعر بقيمتها، وبأنها قادرة على العطاء، لا على الانتظار.
في رأيي، دعم هذه البازارات ليس فقط واجبًا اجتماعيًا، بل هو استثمار في طاقات كامنة، وفي قصص نجاح تنتظر من يؤمن بها. فكل منتج يُعرض في بازار الأسر المنتجة يحكي عن حكاية كفاح، وعن يد عاملة وقلب نابض بالأمل.
ختاماً..
تحتاج مثل هذه المشاريع إلى دعم مستمر، وبازار الأسر المنتجة جاء لإخراج هذه المشاريع ليراها الجميع، لكي تكون أمام هذه الأسر المكافحة فرص عدة للعمل، ومواصلة إبداعهن في صنع منتجاتهن التقليدية، وأيضاً لمساعدة أسرهن، فالحياة تحتاج إلى كفاح ومثابرة وجهد أكبر. ومثل هذه الأفكار تخلق المزيد من الإبداع والابتكار والتجديد.